ملا محمد مهدي النراقي

152

جامع السعادات

حب مباحات الدنيا والتنعم فيها . والأول لا كراهة فيه بوجه ، بل هو مندوب إليه . والثاني وإن لم يكن حراما ، إلا أنه ينقص درجته في الدين ، ويحجب عن المقامات الرفيعة ، لمنافاته الزهد والتوكل والرضا . ثم الغبطة لو كانت مقصورة على مجرد حب الوصول إلى مثل ما للمغبوط ، لكونه من مقاصد الدين والدنيا ، من دون حب مساواته له وكراهة نقصانه عنه ، فلا حرج فيه بوجه ، وإن كان معه حب المساواة وكراهة التخلف والنقصان ، فهنا موضع خطر . إذ زوال النقصان إما بوصوله إلى نعمة المغبوط أو بزوالها عنه ، فإذا انسدت إحدى الطريقتين تكاد النفس لا تنفك عن شهوة الطريقة الأخرى . إذ يبعد أن يكون إنسان مريدا لمساواة غيره في النعمة فيعجز عنها ، ثم لا ينفك عن ميل إلى زوالها ، بل الأغلب ميله إليه ، حتى إذا زالت النعمة عنه كان ذلك عنده أشهى من بقائها عليه ، إذ بزوالها يزول نقصانه وتخلفه عنه . فإن كان بحيث لو ألقى الأمر إليه ورد إلى اختياره لسعى في إزالة النعمة عنه ، كان حاسدا حسدا مذموما . وإن منعه مانع العقل من ذلك السعي ، ولكنه وجد من طبعه الفرح والارتياح بزوال النعمة عن المغبوط ، من غير كراهة لذلك ومجاهدة لدفعه ، فهو أيضا من مذموم الحسد ، وإن لم يكن في المرتبة الأولى . وإن كره ما يجد في طبعه من السرور والانبساط بزوال النعمة بقوة عقله ودينه ، وكان في مقام المجاهدة لدفع ذلك عن نفسه ، فمقتضى الرحمة الواسعة أن يعفى عنه ، لأن دفع ذلك ليس في وسعه وقدرته إلا بمشاق الرياضات . إذ ما من إنسان إلا ويرى من هو فوقه من معارفه وأقاربه في بعض النعم الإلهية ، فإذا لم يصل إلى مقام التسليم والرضا ، كان طالبا لمساواته له فيه ، وكارها عن ظهور نقصانه عنه . فإذا لم يقدر أن يصل إليه ، مال طبعه بلا اختيار إلى زوال النعمة عنه ، واهتز وارتاح به حتى ينزل هو إلى مساواته . وهذا وإن كان نقصا تنحط به النفس عن درجات المقربين ، سواء كان من مقاصد الدنيا أو الدين ، إلا أنه لكراهته له بقوة عقله وتقواه ، وعدم العمل بمقتضاه ، يعفى عنه إن شاء الله ، وتكون كراهته لذلك من نفسه كفارة له . وقد ظهر من تضاعيف ما ذكر : أن الحسد المذموم له مراتب أربع :